السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

90

مفاتيح الأصول

فبالمنع من جواز الاعتماد على قول الجماعة حيث لم يظهر لهم دليل وأمّا في الثّاني فبالمنع من اقتضاء الغلبة الأهونية سلمنا ولكن يرجع هذا الدليل إلى الأوّل فلا يكون دليلا برأسه فتأمل وأما في الثالث فبالمنع من كون التخصيص دفعا يقتضي أهونية كما أشار إليه الفاضل الشيرواني فقال بعد الإشارة إلى هذا الوجه هو تخيّل شعري لا طائل تحته ثم قال وهو مع كونه مبنيّا على أصل فاسد هو الفرق بين البقاء والحدوث بالغنى والحاجة وقد تبين فساده في موضعه غير مؤثر لأن رفع الباقي عن البقاء كمنع الحادث عن الحدوث كثير الوقوع وإن كانت كيفياتهما متفاوتة والكلام في دلالة اللَّفظ والمذكور لا يدلّ على قوّة دلالة العام على أحدهما دون الآخر وإن دلّ على كون أحدهما في نفسه رفعا للأضعف والآخر للأقوى وأمّا في الرابع فبما أشار إليه الفاضل المشار إليه فقال بعد الإشارة إليه ربّما كان الحكم المنسوخ خلاف الأصل فالنسخ كاشف عن أنّه مقيد بقيد لا يتجاوزه فوافق الأصل من هذه الجهة نعم فيه مخالفة الأصل من الجهة التي ذكرتموها وربّما كان العام حكما موافقا للأصل فالتخصيص يخالفه من هذه الجهة مع أنّ الترجيح بهذه الأصالة غير ثابت الاعتبار في الشّرع انتهى وأمّا في الخامس فبالمنع من كونه دليلا على الأهونية سلمنا أن التخصيص أهون ولكن نمنع كلية الكبرى وحكم العقل مطلقا غير معلوم فتأمل وينبغي التنبيه على أمور الأوّل التقييد كالتخصيص فيما ذكر بلا إشكال الثاني إذا استلزم التخصيص خروج أكثر أفراد العام ففي ترجيحه على النسخ حينئذ إشكال لعل الأقرب ترجيح النسخ وهل التقييد إذا كان كذلك يكون كالتخصيص حينئذ أو الأقرب الثاني فيرجح على النّسخ الثّالث إذا فرض تساوي التخصيص والنسخ إما بالذّات أو بالعرض كان اللَّازم الحكم ببقاء حكم الخاص في المثال الَّذي فرضناه لأنه قد ثبت ولم يعلم له رافع يقيني والعام لاحتماله التخصيص لا يصلح له فالأصل بقاؤه عملا بالاستصحاب تحقيق المطلب أن الخاص قد دلّ على ثبوت حكم ودلّ على استمراره وقد عارضه العام الوارد بعده في دلالته على استمرار ذلك ولما لم يمكن ترجيح أحد المتعارضين على الآخر كما هو الفرض وجب التوقف ورفع اليد عن كليهما والرّجوع إلى الأصل وهو هنا يقتضي استصحاب الحكم الَّذي دل الخاص على ثبوته إذ لا معارض له فإنّ العام لم يعارضه وإنما عارض دلالة الخاص على الاستمرار وهو لا يلزم معارضة الاستصحاب أيضا وهذا مثل ما إذا علم بثبوت حكم ودل نصّ على استمراره وآخر على عدم استمراره وكانا متكافئين فإنه يجب حينئذ الحكم باستصحاب ذلك الحكم المعلوم ويعضد هذا غلبة بقاء الأحكام الشّرعية واستمرارها وليست هذه الغلبة غلبة التخصيص على النسخ الَّتي ادعى ترجيحه بها على النسخ فإن مرجع غلبة التخصيص على النسخ إلى غلبة أحد نوعي التخصيص على الآخر ولا كذلك غلبة بقاء الأحكام الشّرعية كما لا يخفى فتأمل مفتاح اعلم أنّه قد يدور الأمر بين تخصيص العام أو تقييد المطلق وحمل اللفظ على أبعد مجازاته كما في قوله صلى الله عليه وآله لا صلاة إلَّا بطهور فإنه إن حملنا قوله لا صلاة على عمومه الاستغراقي وجب الحمل على نفي الكمال الَّذي هو مجاز بعيد بالنسبة إلى نفي الصّحة وذلك لتعذر الحمل على نفي الصّحة لأن صلاة الميّت على تقدير كونها صلاة حقيقة كما هو التحقيق وصلاة فاقد الطهورين على تقدير صحّتها تصحّان من غير طهور وإن حملناه على نفي الصّحة الذي هو أقرب المجازات بالنّسبة إلى نفي الماهيّة وجب تخصيص العام لما عرفت وحينئذ فهل يجب ترجيح التخصيص أو الحمل على أبعد المجازات فيه إشكال والتوقف في المقام وجيه لأنهما محذوران تعارضا ولم يظهر دليل على رجحان أحدهما على الآخر فينبغي التوقف وما دل على رجحان التخصيص على المجاز لا يقتضي ترجيحه هنا كما لا يخفى نعم قد يقال إن المستفاد من طريقة القوم ترجيح التخصيص أيضا وكون ارتكاب الحمل على أبعد المجازات بمنزلة ارتكاب أصل المجاز وفيه نظر إذ القدر المسلم من طريقة القوم هو ترجيح التخصيص على الحمل على أبعد المجازات إذا كان العام قد خصّ في غير محلّ التّعارض ولا بعد حينئذ في الترجيح المذكور لدوران الأمر بين حمل العام على أقرب مجازاته وحمل المعارض له على أقرب مجازاته والظاهر ترجيح الأخير لأن تطرق التأويل في العام أكثر وأما إذا كان العام لم يخصّ في غير محلّ التّعارض فتلك الدّعوى ممنوعة فتأمل وأما إذا بلغ التخصيص حدا يخرج معه أكثر أفراد العام فالظاهر ترجيح الحمل على أبعد المجازات مفتاح إذا تعارض التخصيص والتقييد ودار الأمر بينهما كما في قوله تعالى أوفوا بالعقود فإنه لا شك في أن البيع لا يجب الوفاء به قبل تفرق المتبايعين لثبوت خيار المجلس فإذا تفرّقا وحصل الشّك في بقاء الخيار بعده فإن قلنا إن البيع خرج بذلك عن عموم لفظ العقود ولم يكن داخلا فيه لزم التخصيص والحكم ببقاء الخيار عملا بالاستصحاب السّليم عن المعارض كما لا يخفى وإن قلنا إنّه لم يخرج عن ذلك العموم بل هو مراد منه كغيره لزم تقييد إطلاق الأمر بالوفاء بحال التفرق كما لا يخفى ولزم أيضا الحكم بارتفاع الخيار في مورد الشك عملا بإطلاق اللفظ فيه السالم عن المعارض فإن الاستصحاب لا يصلح لمعارضته لأن الاستصحاب من الأصول التعبدية على المختار والإطلاق من الأدلة الاجتهادية وقد تقرر أن الأصول التعبدية لا تصلح لمعارضة الاجتهادية لأنها أقوى لكشفها عن الواقع دون الاستصحاب فلا يبعد حينئذ ترجيح التّقييد لأن دلالة الإطلاق على العموم أضعف من دلالة اللفظ